أبي حيان الأندلسي
249
تفسير البحر المحيط
طاعته . وقال الزمخشري : وعدهم الله بعدما استوفى الأربعين أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور ، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل . وقال الحسن : الوعد الحسن الجنة . وقيل : أن يسمعهم كلامه والعهد الزمان ، يريد مفارقته لهم يقال طال عهدي بكذا أي طال زماني بسبب مفارقتك ، وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فأخلفوا موعد بعبادتهم العجل انتهى . وانتصب * ( وَعْداً ) * على المصدر والمفعول الثاني ليعدكم محذوف أو أطلق الوعد ويراد به الموعود فيكون هو المفعول الثاني وفي قوله * ( أَفَطَالَ ) * إلى آخره توقيف على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهو طول العهد حتى يتبين لهم خلف في الموعد وإرادة حلول غضب الله ، وذلك كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدبر . وسُمِّي العذاب غضباً من حيث هو ناشىء عن الغضب فإن جعل بمعنى الإرادة فصفة ذات أو عن ظهور النقمة والعذاب فصفة فعل . * ( مَّوْعِدِى ) * مصدر يحتمل أن يضاف إلى الفاعل أي أوجدتموني أخلفت ما وعدتكم من قول العرب . فلان أخلف وعد فلان إذا وجد وقع فيه الخلف قاله المفضل ، وأن يضاف إلى المفعول وكانوا وعدوه أن يتمسكوا بدين الله وسنة موسى عليه السلام ولا يخالفوا أمر الله أبداً فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل . وقرأ الأخوان والحسن والأعمش وطلحة وابن أبي ليلى وقعنت بِمُلْكِنا بضم الميم . وقرأ زيد بن عليّ ونافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة وابن سعدان بفتحها وباقي السبعة بكسرها . وقرأ عمر رضي الله عنه بِمَلَكِنا بفتح الميم واللام وحقيقته بسلطاننا ، فالملك والملك بمنزلة النقض والنقض . والظاهر أنها لغات والمعنى واحد وفرق أبو عليّ وغيره بين معانيها فمعنى الضم أنه لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدّى إليه ما فعل السامري ، فليس المعنى أن لهم ملكاً وإنما هذا كقول ذي الرّمة : * لا يشتكي سقط منها وقد رقصت * بها المفاوز حتى ظهرها حدب أي لا يكون منها سقطة فتشتكي ، وفتح الميم مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وقفنا له ، بل غلبتنا أنفسننا وكسر الميم كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها . والمصدر في هذين الوجهين مضاف إلى الفاعل والمفعول مقدر أي * ( * يملكنا ) * الصواب . وقال الزمخشري ؛ أي * ( قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ ) * بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده . * وقرأ الأخوان وأبو عمرو وابن محيصن بفتح الحاء والميم وأبو رجاء بضم الحاء وكسر الميم . وقرأ باقي السبعة وأبو جعفر وشيبة وحميد ويعقوب غير روح كذلك إلا أنهم شدّدوا الميم ، والأوزار الأثقال أطلق على ما كانوا استعاروا من لقيط برسم التزين أوزاراً لثقلها ، أو لسبب أنهم أثموا في ذلك فسميت أوزاراً لما حصلت الأوزار التي هي الآثام بسببها . والقوم هنا القبط . وقيل : أمرهم بالاستعارة موسى . وقيل : أمر الله موسى بذلك . وقيل : هو ما ألقاه البحر مما كان على الذين غرقوا . وقيل : الأوزار التي هي الآثام من جهة أنهم لم يردوها إلى أصحابها ، ومعنى أنهم حملوا الآثام وقذفوها على ظهورهم كما جاؤهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . وقيل معنى * ( * فقذفناهم ) * أي الحليّ على أنفسنا وأولادنا . وقيل * ( الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا ) * في النار أي ذلك الحلي ، وكان أشار عليهم بذلك السامري فحفرت حفرة وسجرت فيها النار وقذف كل من معه شيء ما عنده من ذلك في النار . وقذف السامري ما معه . ومعنى * ( فَكَذَلِكَ ) * أي مثل قذفنا إياها * ( أَلْقَى السَّامِرِىُّ ) * ما كان معه . وظاهر هذه الألفاظ أن العجل لم يصنعه السامري . وقال الزمخشري : * ( فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ ) * أراهم أنه يلقي